رد: سؤال .. ارجو الاجابة عليه .. الله يرضا عليكوا
وفى شرح الحديث أيضا قال أحد الشراح حَدِيثُ: «خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ كُلُّهُنَّ فَواسِقٌ ...»
بَعْدَ ذَلِكَ نَنْتَقِلُ إِلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ كُلُّهُنَّ فَواسِقٌ، يُقْتَلْنَ فِي الحِلِّ وَالْحَرَمِ: العَقْرَبُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْغُرَابُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ العَقُورُ»(1). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
هَذَا حَدِيثُ عَائِشَةَ ثَبَتَ أَيْضًا فِي «الصَّحِيحَيْنِ» مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا(2)، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: عَنْ إِحْدَى نِسْوَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهِيَ عَائِشَةُ(3).
وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنْ عَائِشَةَ وابْنَ عُمَرَ: جَاءَ ذِكْرُ «الْحَيَّةِ»(4)، وَأَيْضًا: جَاءَ ذِكْرُ هَذِه الفَواسِقِ أَوْ بَعْضِهَا فِي حَدِيثِ حَفْصَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا(5)، الثَّابِتِ فِي «الصَّحِيحِ» وَفِي أَحَادِيثَ أُخَرَ فِي هَذَا البَابِ.
حَدِيثُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا جَاءَ: مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» (6)بِهَذَا اللَّفْظ. وَمِنْ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، وَكِلَاهُمَا فِي «الصَّحِيحَيْنِ»(7) بِهَذَا اللَّفْظ.
هَذَا الحَدِيثُ يَتَعَلَّقُ بِمَسْأَلَةِ قَتْلِ الفَوَاسِقِ الخَمْسِ، وَقَدْ أَجْمَعَ العُلَمَاءُ -رَحِمَهُمُ اللهُ- عَلَى أَنَّ هَذِهِ الفَوَاسِقَ يَجُوزُ قَتْلُهَا فِي الحِلِّ وَالْحَرَمِ، سَوَاءً أَكَانَ الإِنْسَانُ حَلَالًا أَوْ حَرَامًا، وَهَذَا مَحَلُ إِجْمَاعٍ بَيْنَ العُلَمَاءِ.
الْأَمْرُ الثَّانِي: قَوْلُهُ فِي الحَدِيثِ: «الْغُرَابُ».
وَ«الْغُرَابُ» هُنَا مُطْلَقٌ، جَاءَ تَقْيِيدُهُ فِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الإِمَامِ مُسْلِمٍ -رَحِمَهُ الُلهُ- مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ، عَنِ ابْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ عَائِشَةَ، بِـ«الْغُرَابِ الأَبْقَعِ»(8)، أَيِ الَّذِي فِيهِ بَيَاضٌ فِي بَطْنِهِ وَظَهْرِهِ، فَهَلْ نَقُولُ: إِنَّ الَّذِي يَجُوزُ قَتْلُهُ مِنْهَا هُوَ مَا كَانَ أَبْقَعٌ أَوْ لَا؟! الرِّوَايَاتُ المُسْتَفِيضَةُ - لَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ (الْأَبْقَعِ)، وَمِنْ هُنَا يَرَى أَكْثَرُ أَهْلِ العِلْمِ أَنَّ التَّقْيِيدَ بِـ(الْأَبْقَعِ) لَيْسَ مُتَعَيَّنًا، بَلْ إنه يُقْتَلُ كُلُّ غُرَابٍ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ أَبْقَعًا؛ لِأَنَّ الرِّوَايَاتِ الكَثِيرَةِ لَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ (الْأَبْقَعِ)، وَالثَّانِيةُ: أَنْ قَولَهَ فِي رِوَايَةِ (الْغُرَابُ) فِي الحَدِيثِ الآْخَرِ- أَي حَدِيث ابْن عُمٍَر لَم يَذَّكَّرْ إِلَا (الْغُرَاب) لَيْسَ فِيهِ (الْأَبْقَع) وَجَل رِوَايَاتِ عَائَشَةَ لَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ (الْأَبْقَعِ)، إِلَا رِوَايَةِ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ وَكَذَلِك الْأَحَادِيث أُخْرَى لَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ (الْأَبْقَعِ)، إِذًا يُقَال: إِن كُل غُرَاب يَقْتُل. وَمَجِيءُ (الْأَبْقَعِ) فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ لَا يُقَيَّدُ الرِّوَايَةَ المُطْلَقَةُ؛ لِعَدَمِ التَّعَارُضِ بَيْنَهَا.
الْأَمْرُ الثَّالِثُ: قَوْلُهُ: «الْكَلْبُ العَقُورُ»، وَالْعَقُورُ صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ مِنَ العَقْرِ، وَالْعَقْرُ، هُوَ: الجُرْحُ.
فَهَلْ يُقَالُ: إِنَّ المُرَادَ مِنَ «الْكَلْبِ العَقُورِ» هُوَ الكَلْبُ المُعْتَادُ إِذَا كَانَ عَقُورًا، أَوْ أَنَّ المُرَادَ بِهِ السِّبَاعُ عُمُومًا؟
جُمْهُورُ العُلَمَاءِ يَرَوْنَ أَنَّ الكَلْبَ المَعْرُوفَ لَيْسَ هُوَ فَقَط المُرَادُ، بَلِ السِّبَاعُ عُمُومًا، فَيَدْخُلُ فِيهِ الأَسَدُ وَالْفَهْدُ وَالنَّمِرُ وَالذِّئْبُ.
قَالُوا: وَإِطْلَاقُ لَفْظِ الكَلْبِ عَلَيْهَا وَارِدٌ شَرْعًا، جَاءَ فِي حَدِيثٍ حَسَّنَهُ الحَافِظُ وَغَيْرُهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا دَعَا عَلَى وَلَدِ أَبْي لَهَبٍ، قَالَ: «الَّلهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِنْ كِلَابِكَ»(9)، فَقَتَلَهُ الأَسَدُ.
وَيَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ}(10)، فَالْآيَةُ لَيْسَتْ خَاصَّةً بِالْكَلْبِ المَعْهُودِ، بَلْ إِذَا كَانَ الشَّيْءُ يَفْتَرِسُ وَيَقْتُلُ وَيَجْرَحُ فَهَذَا يُسَمَّى كَلْبًا عَقُورًا، وَعَلَى هَذَا تَدْخُلُ فِي «الْكَلْبِ العَقُورِ»: السِّبَاعُ الَّتِي تَفْتَرِسُ وَتَقْتُلُ وَتَجْرَحُ.
ثُمَّ إِنَّ هَذَا الحَدِيثَ فِيهِ: «خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ كُلُّهُنَّ فَوَاسِقٌ»، وَهَذَا مَفْهُومُهُ مَفْهُومُ عَدَدٍ، وَمَفْهُومُ العَدَدِ مَعْمُولٌ بِهِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ العُلَمَاءِ، وَعَلَيْهِ: فَهَلِ الحُكْمُ مُخْتَصٌ بِالْخَمْسَةِ أَوْ يَتَعَدَّى إِلَى غَيْرِهَا؟
جُمْهُورُ أَهْلِ العِلْمِ يَرَوْنَ أَنَّ الحُكْمَ لَيْسَ خَاصًا بِالْخَمْسَةِ. وَإِنَّ مَنْ يَذْهَبُونَ إِلَى القَوْلِ بِمَفْهُومِ العَدَدِ، هُمْ فِي هَذَا الحَدِيثِ يَمْنَعُونَ العَمَلَ بِمَفْهُومِ العَدَدِ، فَالْمَفْهُومُ مُلْغَى، وَالْقَاعِدَةُ غَيْرُ الأَفْرَادِ، وَالْمَفَاهِيمُ إِذَا عَارَضَهَا شَيْءٌ، يُنْظَرُ لِلْمُعَارِضِ، فَالْأَقْوَى يُؤْخَذُ بِهِ.
وَهُنَا يَقُولُونَ: فِي الحَدِيثِ نَفْسِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ المَفْهُومَ غَيْرُ مُرَادٍ، وَخَارِجُ الحَدِيثِ، فَدِلَالَةُ الحَدِيثِ هَذَا دِلَالَةٌ خَارِجِيَّةٌ، قَالُوا: أَمَّا الدِّلَالَةُ، فَقَوْلُهُ فِيهِ: «كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ»، وَفِي رِوَايَةٍ: «خَمْسٌ مِنَ الفَوَاسِق»، أَوْ: «خَمْسٌ فَوَاسِقٌ»، وَذَلِكَ أَنَّ كَلِمَةَ الفِسْقِ، تَعْنِي: الخُرُوجَ، وَهَذِهِ المَذْكُورَةُ خَرَجَتْ عَنْ أَمْثَالِهَا مِنَ الدَّوَابِّ بِمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الطَّبْعِ المُؤْذِي لِلْغَيْرِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ تَعْتَدِي عَلَى الغَيْرِ، فَوَصْفُهَا بِالْفِسْقِ يَقْتَضِي أَنَّ الدَّوَابَّ الَّتِي يُوجَدُ فِيهَا هَذَا الوَصْفُ -وَهُوَ الفِسْقُ- يَكُونُ مَشْمُولًا بِهَذَا الحَدِيثِ؛ لِأَنَّ الوَصْفَ هُنَا يَقْتَضِي عِلِّيَّةَ قَتْلِهَا، فَهِيَ قُتِلَتْ لِأَجْلِ فِسْقِهَا، وَالْحُكْمُ يَدُورُ مَعَ العِلَّةِ، فَإِذَا وُجِدَتِ العِلَّةُ فِي حَيَوَانٍ آخَرَ غَيْرِ المَذْكُورِ، شَمِلَهُ هَذَا الحَدِيثُ؛ لِعُمُومِ العِلَّةِ المَذْكُورَةِ هُنَا، فَعُمُومُ العِلَّةِ المَذْكُورَةِ –وَهُوَ: وَصْفُ الفِسْقِ- دَلَّ عَلَى أَنَّ مَفْهَومَ العَدَدِ هُنَا غَيْرُ مُرَادٍ.
الْأَمْرُ الثَّانِي: ثَبَتَ فِي «الصَّحِيحِ» مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أنه لَمَّا كَانَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مِنَىً وَخَرَجَتْ عَلَيْهِمْ حَيَّةٌ، أَمَرَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَتْلِهَا(11)، وَالْحَيَّةُ لَيْسَتْ مَذْكُورَةً فِي هَذَا الحَدِيثِ، وَلَا فِي عَامَّةِ الأَحَادِيثِ المَوْجُودَةِ، إِلَّا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ، وَجَاءَ فِي رِوَايِةِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا مِنْ حَدِيثِ مَخْرَمَةِ بِنْ بُكَيرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَرْبَعٌ كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ»(12) وَلَمْ يَذْكُر العَقْرَبَ، وَهُوَ جَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ذِكْرُ الحَيَّةِ، وَهِيَ أَيْضًا جَاءَتْ فِي رِوَايَةٍ عَنْ عَائِشَةَ، وَلَكِنَّ الرِّوَايَاتِ المُشْتَهِرَةَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ لَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ الحَيَّةِ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّ الحَيَّةَ هَذِهِ اخْتَلَطَتْ عَلَى الرَّاوِي مَعَ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الرِّوَايَاتِ المَشْهُورَةَ لَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ الحَيَّةِ.
وَأَيْضًا: ثَبَتَ مِنْ حَدَيثٍ سُوَيْدِ بْنِ غَفْلَةَ، قَالَ: «أَمَرَنَا عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بِقَتْلِ الفَأْرَةِ وَالْعَقْرَبِ وَالزَّنْبُورِ، وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ» (13)، وَالزَّنْبُورُ، هُوَ الَّذِي يُسَمَّى: الدَّبَرُ، وَهُوَ شَبِيهٌ بِالنَّحْلِ، فَعُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَمَرَ بِقَتْلِهِ، وَهُوَ لَيْسَ مَذْكُورًا هُنَا، وَإِنَّمَا أَمَرَ بِقَتْلِهِ؛ لِأَنَّهُ بِطَبْعِهِ مُؤْذٍ، فَدَخَلَ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الحَدِيثِ: «فَاسِق»، أَوْ: «فَوَاسِقٌ»؛ لِأَنَّهُ يَعْتَدِي بِطَبْعِهِ وَيُؤْذِي بِطَبْعِهِ، وَهَذِهِ المَذْكُورَةُ فِي الحَدِيثِ فَوَاسِقٌ؛ لِأَنَّها تُؤْذِي.
إِذًا؛ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لَمْ يَفْهَمْ مِنْ هَذَا الحَدِيثِ: أَنَّهُ خَاصٌّ بِالْخَمْسِ، وَلَكِنْ فَهِمَ مَا فَهِمَهُ جُمْهُورُ أَهْلِ العِلْمِ، وَهُوَ: أَنَّ مَا كَانَ فَاسِقًا مُؤْذِيًا بِطَبْعِهِ، وَفِيهِ المَعْنَى المَذْكُورُ فِي هَذِهِ المَذْكُورَاتِ، فَحُكْمُهُ حُكْمُهُا.
وَفِي الحَدِيثِ، قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُقْتَلْنَ»، فهَلْ هُوَ لِلْوُجُوبِ، أَوْ لِلْإِبَاحَةِ، أَوْ لِلِاسْتِحْبَابِ؟
جَاءَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ»، في رِواية قَالَتْ: «أَمَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَتْلِ خَمْسِ فَوَاسِقَ»(14).
وَجَاءَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا –أَيْضًا- فِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» عَنْ بَعْضِ نِسْوَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -وَالْأَقْرَبُ أَنَّهَا عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: «أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ- أَوْ: أُمِرَ، بالبناء للمعلوم أو للمجهول- بِقَتْلِ خَمْسٍ»(15)، فَهَذَا أَمْرٌ، فَهَلْ نَقُولُ: إِنَّ قَتْلَهَا وَاجِبٌ؟ بِمَعْنَى: أَنَّكَ إِذَا رَأَيْتَ وَاحِدَةً مِنْ هَذِهِ الفَوَاسِقِ وَأَنْتَ مُحْرِمٌ، تَقْتُلَهَا وُجُوبًا أَوْ لَا؟
نَقُولُ: إِنَّ الأَمْرَ هُنَا لَيْسَ لِلْإِيجَابِ؛ لِأَنَّه ثَبَتَ فِي «الصَّحِيحَينِ» نَفْيُ الجُنَاحِ عَنْ مَنْ قَتَلَهَا، وَهَذَا يُصْرِفُ أَنْ يَكُونَ الأَمْرُ هُنَا لِلْوُجُوبِ، فَقَدْ ثَبَتَ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ(16)، وَجَاءَ أَيْضًا فِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ»، مِنْ حَدِيثِ حَفْصَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا(17): «خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِ، مَنْ قَتَلَهُنَّ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ ....الحديث»، وَهَذَا يَدَلُّ عَلَى أَنَّ قَتْلَهَا لَيْسَ مُتَعَيِّنًا.
يَبْقَى بَعْدَ ذَلِكَ: هَلْ هُوَ مُسْتَحَبٌّ أَوْ مُبَاحٌ؟ وَالأَقْرَبُ: أَنَّهُ مُبَاحٌ لِأَمْرَينِ: الأَمْرُ الأَوْلُ: مَا جَاءَ مِنَ الأَمْرِ فِي هَذِهِ الأَحَادِيثِ –مَا قَالَ إِنَّهُ مُسْتَحَبٌّ- لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِهَا، وَالثَّانِي: العِلَّةُ المَذْكُورَةُ فِي الحَدِيثِ، قَالَ: «فَوَاسِقٌ»، فَهِى بِإِيذَائِهَا فِي ذَاتِهَا بِطَبْعِهَا؛ لِذَلِكَ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ قَتْلُهَا، كَمَا اسْتَحَبَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَتْلَ الوَزَغِ، وَسَمَّاهُ فُوَيْسِقًا؛ لِأَنَّهُ مُؤْذٍ، فيُرَجَّحُ أَنَّ الأَمْرَ لِلِاسْتِحَبَابِ لِكَوْنِهَا مُؤْذِيَةٌ، وَالْمُؤْذِي يُسْتَحَبُّ دَفْعُهُ، وَهَذِهِ الأَشْيَاءُ تَنْدَفِعُ بِقَتْلِهَا، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ –كَمَا ذَكَرْنَا: حَدِيثُ الوَزَغِ، الَّذِي سَمَّاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فُوَيْسِقًا، وَأَمَرَ بِقَتْلِهِ، وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَتَلَهُ فِي المَرَّةِ الأُولَى فَلَهُ كَذَا وَكَذَا، وَفِي المَرَّةِ الثَّانِيَةِ فَلَهُ كَذَا وَكَذَا»(18).
|